محمد متولي الشعراوي

1182

تفسير الشعراوي

الموقف ، إلا أن قول اللّه : « فلهم » يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب ، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل . وقول اللّه : « فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » هنا نجد أن كلمة « أجر » تعطينا لمحة في موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها ؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشئ ، وفيه أجر لعمل . فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا ، هذا المجهود قد ينشأ عنه مثمن ، أي شئ له ثمن ، فقول اللّه « فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ » يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شئ جاء عن عمل فاللّه يطلب منه أن ينفق منه . إن اللّه لا يعطيه ثمن ما أنفق ، وإنما يعطيه اللّه أجر العمل ، لماذا ؟ لأن المؤمن الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره ، والفكر مخلوق للّه ، وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته ؛ وطاقاته وأجهزته مخلوقة للّه ، ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها ، وكلها مخلوقة للّه ، فأي شئ يملكه الإنسان في هذا كله ؟ لا الفكر الذي يخطط ، ولا الطاقة التي تفعل ، ولا المادة التي تنفعل ؛ فكلها للّه . إذن فأنت فقط لك أجر عملك ؛ لأنك تعمل فكرا مخلوقا للّه ، بطاقة مخلوقة للّه ، في مادة مخلوقة للّه ، فإن نتج منها شئ أراد اللّه أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك . لكن المساوى لك في الخلق وهو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك ، فهي من المخلوق المساوى « ثمن » ، وهي من الخالق الأعلى أجر ؛ لأنك لا تملك شيئا في كل ذلك . وبعد ذلك يقول الحق : « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » والخوف هو الحذر من شئ يأتي ، فمن الخائف ؟ ومن المخوف ؟ ومن المخوف عليه ؟ « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » ممن ؟ يجوز أن يكون « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » من أنفسهم ؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب ، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها ، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن . فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب ، لا يقال : إن الخائف هو عين المخوف ؛